الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
523
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
رابعها : أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة ، وفي ذلك الوقت كان - صلى اللّه عليه وسلم - مقهورا مع أعدائه ، فكأنه تعالى قال : لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة ، بل يعلو أمرك ويظهر قدرك ، فإنا ما أنزلنا عليك القرآن لتبقى شقيّا ، بل تصير معظما مكرما ، زاده اللّه تعالى تعظيما وتكريما وتشريفا . وقال تعالى : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ « 1 » السورة . قال الإمام فخر الدين ابن الخطيب : في هذه السورة كثير من الفوائد ، منها : أنها كالتتمة لما قبلها من السور ، وذلك لأن اللّه تعالى جعل سورة ( والضحى ) في مدح نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - ، وتفصيل أحواله ، فذكر في أولها ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته وهي قوله : ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى « 2 » ثم ختمها كذلك بأحوال ثلاثة فيما يتعلق بالدنيا ، وهي قوله تعالى : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ( 6 ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا « 3 » أي عن علم الحكم والأحكام فَهَدى ( 7 ) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى « 4 » . ثم ذكر في سورة أَ لَمْ نَشْرَحْ « 5 » أنه تعالى شرفه - صلى اللّه عليه وسلم - بثلاثة أشياء وهي أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ أي : ألم نفسحه حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق ، وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ « 6 » . أي عناءك الثقيل الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ( 3 ) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ وهكذا سورة سورة ، حتى قال : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ « 7 » أي أعطيناك هذه المناقب المتكاثرة التي كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها . وإذ أنعمنا عليك بهذه النعم فاشتغل بطاعتنا ولا تبال بقولهم . ثم إن الاشتغال بالعبادة إما أن يكون بالنفس وهو قوله : فَصَلِّ لِرَبِّكَ ، وإما بالمال وهو قوله : وَانْحَرْ « 8 » .
--> ( 1 ) سورة الكوثر : 1 . ( 2 ) سورة الضحى : 3 - 5 . ( 3 ) سورة الضحى : 6 ، 7 . ( 4 ) سورة الضحى : 7 ، 8 . ( 5 ) سورة الشرح : 1 . ( 6 ) سورة الشرح : 2 . ( 7 ) سورة الكوثر : 1 . ( 8 ) سورة الكوثر : 2 .